جحفلة
عن التسويف والفوات
عشتُ عمري على اللحظات الأخيرة، أحبّ أن أسلّم الواجب 11:59، وأن أدخل القاعة وقت التحضير، وأن أفتح باب المسجد مع التكبير، أوقّت خروجي قبل الموعد بتقدير خرائط قوقل، أو بأقلّ من تقديرها، فأبقى طوال الطريق أردّد “اللهمّ افتح اللهمّ افتح”، “يا ربّ الإشارة مفتوحة”، قلقا مستعجلًا، قلق المتنبّي حين قال:
“وأحلى الهوى ما شكّ في الوصل ربُّه
وفي الهجر، فهْو الدهرَ يرجو ويتّقي”
والعجيب أنّ هذا مما يلتذّ به الإنسان، هذا القلق نفسه، ولك أن تتخيّل لذّة الوصول بعد هذا الشكّ، والفوز بعد جرَيان المباراة بما لا تنتظر النفس معه الفوز، فعندئذٍ تجتمع لذّة الظفر ولذّة المفاجأة، فسلْ حينئذٍ ما شئتَ تُعطَ!
أمضيتُ عمري على هذه الحال، ولم أنلْ من هذه العادة إلّا السلامة أو ضررًا يسيرًا كنقص درجةٍ أو ضيق وقت امتحان أو فوات تحضير، أو عتبِ محبٍّ على التأخير، وساعدني أن أكثر أحبابي لي عليهم في هذا الباب أكثر ممّا لهم عليّ، فيلطعونني أكثر ممّا ألطعهم، فلا أستحيي من عتابهم، بل ولا يكادون يُعاتبون أصلًا، والحظ هنا أنّ المرء على دين خليله.
إلى أن حجزت رحلةً قبل نحو شهرٍ من كتابتي هذه الحروف، ولا عليّ من الناس رقيبٌ، فوالدتي الّتي عادةً ما تحثّني - أو ترغمني - على ترك العادة هذه لن تُسافر معي اليوم، بل أنا رقيب أخي ووليّ أمره، فصرتُ قائد رحلةٍ غير أهلٍ للقيادة، ولا لي على هذا المقام دُربة ولا تُساعدني عليه عادة، فخرجت بأخي قبل موعد الرحلة بنحو نصف ساعة، ظانًّا أنّ المسافة بيني وبين المحطّة نحو الثلث، فعندي عشر دقائق أنتهي فيها من إجراءات القطار وأركن السيّارة، غير كافٍ طبعًا لكن قال عنيقيد: “يمدي يمدي”.
بينما أنا في الطريق، وأنا أحفظه، أردت أن أتأكّد من الوقت المتبقّي، وعلى حسبتي: بقي لنا نحو العشر دقائق، فإذا بقوقل يُخبرني بأنّها عشرين :) ابتسمت ابتسامة الرجال حين يفقدون كلّ شيءٍ، ثمّ نظرت نظر المُحاول المُصاول وإن كثر أعداؤه وقلّ أصدقاؤه، وهمستُ لأخي همسة الجادّ: “اربط الحزام”.
كنت أقود الإنوفا، عمرها أكبر من عمر أخي، تصيح كقطار البخار، وترتعش كأكفّ المسنّين، لكنّها أنوفة حمول صدوق، لم يُملّها طول العيش ولا كثرة السعي ولا تكرار المناظر، فما زالت تحمل حمل الشباب إذا حمي الوطيس، فأخرجت من قيرها بقايا الصِّبا، ومن مكينتها صيحات الصَّبا، وخيّطت الطريق خياطة، أتجاوز التريلا والكورولا على حدٍّ سواء، أبحث عن فارق الشعرة وأقاتل عليه، وأفكّر أثناء ذلك في خصام أمّي، وتبسّم أبي، وربّما وصول الخبر من ينتظرنا في ضفّة السكّة الثانية من أخوالي وخالاتي، والكارثة إن وصل الأمر لجدّي، وكم سأتغرّم لو فاتتني الرحلة لرحلةٍ جديدة؟ ومتى ستُتاح؟ وكم سننتظر لها؟ حتّى وصلت المحطّة قبل موعد الانطلاق بدقائق معدودات.
اكتشفت عند وصولي أنّي لا أعرف المواقف ولا طريقها، فحُست أطوف وأجول، وما في المكان مسؤول، حتّى وجدت من أسأل فدلّني، وما زالت الدقائق لم تنقضِ لكنّها تُوشك.
دخلت المواقف بعد لفّةٍ طويلة، وقد حان موعد الانطلاق، فاكتشفت اكتشافًا آخر، ويا كثرة الاكتشافات! اكتشفت أنّي لا أعرف كيف أخرج من المواقف إلى البوّابات :) خرجت وأخي من السيّارة ركضًا وقد قُلت له أن اركض ورائي دون كلام، أعور يقود أعمى.
صعدت بالدرج لأنّي لم أعرف من أين المصاعد، ولا أذكر صعدنا لأيّ طابقٍ لكنّه فوق المقصود، نزلنا للطابق المقصود وقد فات القطار قطعًا لكنّ أملي وأخي أن لعلّ القطار تأخّر أو يتعطّل دقائق فنُدركه، وصلنا نلهث فودنا عاملةً هناك، أريتها رقم الرحلة فقالت ببرود: “راحت” فراحت، وأراحت.
جلست مع أخي مبتسمين بخيبتنا، أو بخيبتي أنا، تكلّفت حجزًا جديدًا بعد ساعة، وأدركنا الرحلة هذه المرّة والحمدللّه.
رحمان
لا تفلت حركةٌ ولا سكنةٌ ولا خاطرةٌ في الكون من يد الله، ولا تتخلّف رحمته عن فعلٍ من أفعاله، أحيانًا، تقوى طبيعة الإنسان المُعوجّة حتّى لا يُقوّمها إلّا طرق الشاكوش، نعم، شاع في أهلي فواتي هذه الرحلة - وإن كان لم يعلم بذلك جدّي، واستقرّت في الأذهان عادتي، وما عاد بي وثوقٌ في المواعيد، وغرمت كثيرا، لكنّي أحسبني صرت أكثر احتياطًا وجدّيّة.
“فقسا ليزدجروا، ومن يكُ راحمًا
فلْيقْسُ أحيانًا على من يرحمُ”
من الطريف حسن الذكر أنّني كتبت المقالة كاملةً في قطار العودة، لكن قلت أُراجعها لاحقًا قبل النشر، فاختفت من عندي :) فها أنا أعيدها في جلسةٍ وأنشرها مباشرةً، وقد كان سياقها مختلفًا شيئًا ما لكن حاولت أن أوفّي بالمقصود.
أختم بأبياتٍ ليست من السياق لكن قُلتها هناك في المدينة، بعد سلامي على حبيبي رسول اللّه ﷺ
أتـيتُ إليكَ في جمعٍ، حـدانـا كُـلَّـنـا الــحـبُّ
بكَوْا ووقفتُ مُشـتاقًا، وأمسك دمعيَ الذنْبُ
ولو أنّي اتّبعتُك ما اســـــتحى من وجده القلْبُ
